أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
449
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
بعض الكتب المنزلة : « إن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي » انتهى . وإنما كانت الكفاية نعمة ، والزيادة عليها نقمة كما قال الشيخ ، لأن النفوس مجبولة على حب العطاء وكراهية الفقد ، فإذا أعطاها فرحت ، وإذا أزال عنها حزنت ، فمن أراد أن يدوم فرحه فلا يأخذ فوق كفايته ما يحزن على فقده ، كما أبان ذلك بقوله : 226 - ليقلّ ما تفرح به يقلّ ما تحزن عليه . قلت : فإذا أردت أن يدوم سرورك فلا تملك شيئا تحزن على فقده ؛ لأن حزنك على فقده دليل محبتك له ، فإذا اقتصرت على الضرورة والحاجة من مال أو جاه أو عز أو غير ذلك ، فلا تجد ما تفقده حتى تحزن عليه . قيل لبعضهم : لم لا تغتم ؟ قال : لأني لا أقتني ما يغمني ، وفي ذلك قيل : ومن سرّه ألا يرى ما يسوؤه * فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا فإنّ صلاح المرء يرجع كله * فسادا إذا الإنسان جاز به الحدّا يحكى أنه رفع لبعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجوهر لم ير له نظيرا ، ففرح به الملك فرحا شديدا ، فقال لبعض الحكماء عنده : كيف ترى هذا ؟ فقال : أراه مصيبة وفقرا ، فقال : كيف ذلك ؟ فقال : إن انكسر كان مصيبة لا صبر لها ، وإن سرق صرت فقيرا إليه ولم تجد مثله ، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر ، فاتفق انكسار القدح فعظمت مصيبة الملك به . فقال : صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا انتهى . وهنا ميزان آخر أحسن من هذا وهو أنك إذا أطلقت من نفسك ، وجعلتها غرضا لسهام أقدار ربك ، لا تعارضه فيما يفعل بك ، لا شك أنك تستريح ويدوم فرحك ، لأنك حينئذ منتظر ما يبرز من عند الحبيب ، فنتلقاه بالرضا والترحيب ، وهذه حلاوة برد الرضا والتسليم ، فإن صحبها شهود الفاعل المختار فهو النعيم المقيم وهذه هي الولاية الكبرى ، من تقلدها لا يعزل عنها أبدا ، كما أشار إلى ذلك بقوله : 227 - إن أردت ألا تعزل فلا تتولّ ولاية لا تدوم لك . قلت : الولاية التي لا تدوم هي الولاية التي تأتي من جهة الفرق ، وهي ولاية الخلق كخطة السلطنة والقضاء والقيادة وغير ذلك من الخطط التي قلدها اللّه بعض عباده ، ويدخل فيها أيضا